الشوكاني

470

فتح القدير

له لن يخلقوه ولو اجتمعوا له ، والجواب محذوف والتقدير لن يخلقوه وهما في محل نصب على الحال : أي لن يخلقوه على كل حال . ثم بين سبحانه كمال عجزهم وضعف قدرتهم فقال ( وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ) أي إذا أخذ منهم الذباب شيئا من الأشياء لا يقدرون على تخليصه منه لكمال عجزهم وفرط ضعفهم ، والاستنقاذ والإنقاذ التخلص ، وإذا عجزوا عن خلق هذا الحيوان الضعيف ، وعن استنقاذ ما أخذه عليهم فهم عن غيره مما هو أكبر منه جرما وأشد منه قوة أعجز وأضعف ، ثم عجب سبحانه من ضعف الأصنام والذباب ، فقال ( ضعف الطالب والمطلوب ) فالصنم كطالب من حيث إنه يطلب خلق الذباب أو يطلب استنقاذ ما سلبه منه ، والمطلوب الذباب . وقيل الطالب عابد الصنم ، والمطلوب الصنم . وقيل الطالب الذباب والمطلوب الآلهة . ثم بين سبحانه أن المشركين الذين عبدوا من دون الله آلهة عاجزة إلى هذه الغاية في العجز ما عرفوا الله حق معرفته فقال ( ما قدروا الله حق قدره ) أي ما عظموه حق تعظيمه ولا عرفوه حق معرفته ، حيث جعلوا هذه الأصنام شركاء له مع كون حالها هذا الحال ، وقد تقدم في الأنعام ( إن الله لقوى ) على خلق كل شئ ( عزيز ) غالب لا يغالبه أحد ، بخلاف آلهة المشركين ، فإنها جماد لا تعقل ولا تنفع ولا تضر ولا تقدر على شئ . ثم أراد سبحانه أن يرد عليهم ما يعتقدونه في النبوات والإلهيات فقال : ( الله يصطفى من الملائكة رسلا ) كجبريل وإسرافيل وميكائيل وعزرائيل ( و ) يصطفى أيضا رسلا ( من الناس ) وهم الأنبياء ، فيرسل الملك إلى النبي ، والنبي إلى الناس ، أو يرسل الملك لقبض أرواح مخلوقاته ، أو لتحصيل ما ينفعكم ، أو لإنزال العذاب عليهم ( إن الله سميع ) لأقوال عباده ( بصير ) بمن يختاره من خلقه ( يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ) أي ما قدموا من الأعمال وما يتركونه من الخير والشر كقوله تعالى - ونكتب ما قدموا وآثارهم - ( وإلى الله ترجع الأمور ) لا إلى غيره ، ولما تضمن ما ذكره من أن الأمور ترجع إليه الزجر لعباده عن معاصيه ، والحض لهم على طاعاته صرح بالمقصود فقال ( يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا ) أي صلوا الصلاة التي شرعها الله لكم ، وخص الصلاة لكونها أشرف العبادات . ثم عمم فقال ( واعبدوا ربكم ) أي افعلوا جميع أنواع العبادة التي أمركم الله بها ( وافعلوا الخير ) أي ما هو خير ، وهو أعم من الطاعة الواجبة والمندوبة ، وقيل المراد بالخير هنا المندوبات . ثم علل ذلك بقوله ( لعلكم تفلحون ) أي إذا فعلتم هذه كلها رجوتم الفلاح . وهذه الآية من مواطن سجود التلاوة عند الشافعي ومن وافقه ، لا عند أبي حنيفة ومن قال بقوله ، وقد تقدم أن هذه السورة فضلت بسجدتين ، وهذا دليل على ثبوت السجود عند تلاوة هذه الآية . ثم أمرهم بما هو سنام الدين وأعظم أعماله ، فقال ( وجاهدوا في الله ) أي في ذاته ومن أجله ، والمراد به الجهاد الأكبر ، وهو الغزو للكفار ومدافعتهم إذا غزوا بلاد المسلمين . وقيل المراد بالجهاد هنا امتثال ما أمرهم الله به في الآية المتقدمة ، أو امتثال جميع ما أمر به ونهى عنه على العموم ، ومعنى ( حق جهاده ) المبالغة في الأمر بهذا الجهاد ، لأنه أضاف الحق إلى الجهاد ، والأصل إضافة الجهاد إلى الحق : أي جهادا خالصا لله ، فعكس ذلك لقصد المبالغة ، وأضاف الجهاد إلى الضمير اتساعا ، أو لاختصاصه به سبحانه من حيث كونه مفعولا له ومن أجله . وقيل المراد بحق جهاده هو أن لا تخافوا في الله لومة لائم ، وقيل المراد به استفراغ ما في وسعهم في إحياء دين الله . وقال مقاتل والكلبي : إن الآية منسوخة بقوله تعالى - فاتقوا الله ما استطعتم - كما أن قوله - اتقوا الله حق تقاته - منسوخ بذلك ، ورد ذلك بأن التكليف مشروط بالقدرة ، فلا حاجة إلى المصير إلى النسخ . ثم عظم سبحانه شأن المكلفين بقوله ( هو اجتباكم ) أي اختاركم لدينه ، وفيه تشريف لهم عظيم . ثم لما كان في التكليف مشقة على النفس في بعض الحالات قال ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) أي من ضيق وشدة .